المحقق البحراني
80
الكشكول
له : من أنت ومن أتى بي إلى هذا المكان ؟ فقال : رب القدرة والعظمة ساقك إلى هذا البستان ورأيتك ملفوفة بهذه العباءة على النهر فاعلميني بحقيقة أمرك . فقالت : واللّه إني مظلومة وليس لي علم بسبب قطع يدي ورجلي ، فإن كنت تعمل خيرا لوجه اللّه تعالى فافعل ولا تسألني عن حالي فإني لا أشرح قصتي إلا إلى عالم اسراري ثم أنشدت تقول شعرا : خليلي لا واللّه ما ينفع الشكوى * إلى أحد إلا إلى عالم النجوى فلا تشرحن الحال منك إلى امرئ * من الخلق وأشكو للذي يكشف البلوى فلله نشكو ما نرى لا إلى الورى * وفي الصبر أحوال بها يثبت الدعوى فلما سمع كلامها علم أنها من الصالحات فقال : ما الذي تريدين ؟ فقالت : أريد أن تعمل لي عريشا في بستانك لا يدخله أحد غيري ويكون قريبا من الماء وتجعل فراشي شيئا من الحشيش ودعني أسكن فيه واللّه هو الشافي ، فمضى وأتى بزيت وحماه وكوى يديها ورجليها وأقبل بشيء من الطعام والماء وعرض عليها فأكلت حسب كفايتها ، ثم عمل لها عريشا قريبا من النهر وفرش تحتها شيئا من الحشيش وألقاها عليه ، وبقيت على ذلك مدة حتى عوفيت فأتاها ذات يوم فقالت له : اعمل لي شريعة إلى الماء لأجل وضوئي وتطهيري ، ففعل ذلك فبقيت تنزل إلى الماء وتبغي الوضوء وتنتصب في محرابها وتعبد ربها وتصلي الليل والنهار وهي تزداد حسنا وجمالا . وكانت كلما نزلت إلى الماء يشرق من نور وجهها ، وكان لصاحب البستان أربعة أولاد ذكورا ولم يشعر بها أحد منهم تلك المدة ، وكان ينهى أولاده أن يسيروا إلى عريش القرطى ، فبينما هي ذات يوم نازلة إلى الماء إذ مضى أحدهم فرآها وهي تتوضأ ونورها يشرق على الماء ، فانطلق إلى أخوته فأعلمهم بها فأتوا إليها وهي في العريش تصلي ، فجعلوا يتضاحكون عليها ويغمز بعضهم بعضا فقال أخوهم الأكبر : كفوا عن النظر والاستهزاء بهذه المرأة وانصرفوا عنها حتى نسأل أبانا عنها ، ثم مضوا وهم يقولون لا بد أن نقضي وطرنا من هذه الجارية ، فأتى صاحب البستان إليها فوجدها تبكي وقد شق عليها كلام أولاده فقال لها : ما بالك تبكين وما الذي أصابك ؟ فأخبرته بخبر أولاده وما تكلموا به فعظم ذلك عليه وحلف أن يضربهم ، فقالت : باللّه عليك لا تضربهم ولكن امنعهم عن المجيء إلى هذا المكان ، وكان صاحب البستان قد رزق السعادة والبركة على قدومها إليه ، فمضى إلى أولاده فجمعهم وقص عليهم القصة وأمرهم أن لا يقربوا عريشها وقال